بر الأم .. حينما يختار الأب طريقاً آخر غير طريقها
في علم التواصل، قد تكون الكلمة الطيبة سندًا نفسيًا يعيد للإنسان شيئًا من توازنه، ويخفف عنه بعض كربه حين يمر بالضيق أو يشعر بالانكسار.
وهذا ما قد تحتاجه الأم حين تمر علاقتها بزوجها بمرحلة صعبة، أو حين تشعر أن شريك حياتها يسير في طريق لم يعد يتوافق مع طريقها. ففي مثل هذه الظروف، قد يكون من أجمل ما يقدمه الأبناء لها أن يعبّروا عن تقديرهم وامتنانهم لها علانية وباستمرار أمام محيطها ، وأن يمدحونها ويشيدوا بفضلها وجهودها وبما قدمته من تعب وعطاء فى المجتمع ، بكلمات صادقة تفرح قلبها وتشعرها بأن ما بذلته لم يذهب سدى.
ولعل قصة غابرييل جيسوس ووحدانية أمه تقدم صورة مؤثرة لهذا المعنى؛ فقد انفصل والد غابرييل جيسوس عن والدته "فيرا لوسيا" وهي حامل به. وجدت الأم نفسها وحيدة تربي 4 أطفال في حي فقير جداً بالبرازيل. ولم يكن أمامها سوى أن تكافح من أجل أبنائها، فعملت الأم خادمة في البيوت لساعات طويلة لتأمين لقمة العيش وشراء أحذية كرة قدم قديمة لابنها ليتمكن من اللعب.
ومع مرور السنوات، لم ينسَ جيسوس ما فعلته أمه من أجله، ولم يتوقف يوماً عن ذكر أمه بالخير في كل مقابلة صحفية. وفي كل مرة يسجل فيها هدفاً، يقوم بحركته الشهيرة (يتظاهر بأنه يتصل بالهاتف)، ويقول إن هذه الحركة هي رسالة لأمه التي كانت تتصل به دائماً للاطمئنان عليه.
وحين جاءت الشهرة والثراء، لم يكن رد الجميل مجرد كلمات؛ فقد رفض جيسوس أن تبتعد أمه عنه، وظل يذكر دائماً فى العلن بكل فخر بها وامتنان صادق ماقدمته من جهود وتضحيات من أجله، فكان يصرح دائماً: "أمي هي بطلتي، لولاها لكنت مجرد مجرم أو مشرد في شوارع البرازيل".
وهنا تظهر قيمة أن يشعر الأبناء أمهم بأن تعبها لم يذهب سدى، وأن ما قدمته من عمرها وجهدها وتضحياتها لا يزال حاضرًا في قلوبهم، حتى وإن تغيرت الظروف من حولها. فالأم لا تحتاج دائمًا إلى أن يخوض أبناؤها معاركها، ولا إلى أن يحملوا عنها تفاصيل حياتها، لكنها قد تحتاج إلى كلمة تقول لها: نحن نرى ما قدمتِ، ونقدّر ما فعلتِ، وما بذلتِه لم يذهب سدى.
ولا يعني ذلك أن يتدخل الأبناء في الخلاف الزوجي، أو أن ينحازوا لطرف ضد آخر، أو أن يتجاوزوا خصوصية العلاقة بين الزوجين. فهناك أمور تبقى بين الزوجين، واحترامها من الحكمة والبر.
لكن احترام خصوصية الخلاف لا يعني أن يتحول الأبناء إلى متفرجين على مشاعر أمهم، أو أن يظنوا أن الصمت هو دائمًا صورة البر. فقد يكون من البر أيضًا أن نحتوي من نشعر بأنه متألم، وأن نقول له كلمة تقدير في الوقت الذي يكون أحوج ما يكون إليها.
فأحيانًا لا يكون المطلوب أن نحل المشكلة، ولا أن نحدد من المخطئ ومن المصيب، وإنما أن نكون مصدر أمان واحتواء.
وأسمى صور الوفاء والعرفان قد تكون أحيانًا في كلمات طيبة تُقال في وقتها؛ لا تنتقص من أحد، ولا تؤذي أحدًا، لكنها تُشعر إنسانًا بأنه مُقدَّر، وتفرح قلبًا، وتجبر خاطرًا قد لا يرى الآخرون مقدار انكساره.
الكاتبة الدكتورة ظلال عبدالله الجابري
تعليقات
إرسال تعليق