التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مميزة

《من أجل أن يأتى شئ جديد للحياة》

         《من أجل أن يأتي شيء جديد للحياة》 قيل: من أجل أن يأتي شيء جديد، يجب أن يزال شيء قديم. فالعقل الممتلئ بالأفكار يشبه غرفة ممتلئة بالأثاث؛ فإذا امتلأ بالأفكار السلبية، والانشغالات غير المفيدة، والعلاقات والعادات التي تستنزف الإنسان، فلن تبقى مساحة كافية لاستقبال الجديد المفيد. فأحيانًا لا تحتاج الحياة لحدوث التغيير إلى المزيد من الجديد، بقدر ما تحتاج إلى التخلي عن بعض القديم؛ عن أفكار لم تعد صالحة أو مفيدة، أو عادات سلبية تعيق التقدم، أو تعلق بالماضي يمنع الحركة إلى الأمام. فالتخلي ليس دائمًا خسارة، بل قد يكون هو المساحة التي يبدأ فيها التغيير. وقد جاء في المعنى في الحديث الشريف: «إنك لن تدع شيئًا لله إلا بدلك الله به ما هو خير لك منه». فعندما يتخلى الإنسان عن انشغالات أو أفكار أو عادات ليس فيها خير أو صلاح لدنياه وآخرته، فإنه يفرّغ مساحة في حياته؛ من وقت، وطاقة، وتفكير. وهذه المساحة قد تكون هي ما يهيئه لاستقبال فرص وعلاقات وعادات أفضل وأرقى. فليست الفكرة في التخلي العشوائي، ولا في ترك كل ما هو قديم لمجرد أنه قديم، وإنما في معرفة وتحديد ما ليس ف...

《لاشئ يحدث صدفة》



                     《 لا شيء يحدث صدفة》


فكل تجربة نمر بها تحمل معنى وغاية؛ إما للتعلّم، أو للاختبار، أو لبناء الشخصية.

وهذا المعنى لا يتحقق إلا إذا أحسن الإنسان استثمار الجانب الإيجابي من التجارب التي يمر بها، والتي لا تخلو منها تجربة، ليصبح أفضل وأقوى.

ويتجلّى هذا المعنى في قصة سيدنا يوسف عليه السلام؛ إذ عندما مرّ بمرحلة العبودية داخل بيت العزيز، حرص على التعلّم واكتساب الخبرة في إدارة شؤون البلاد، فاستثمر الجانب الإيجابي من تجربته الصعبة، وجعل منها تدريبًا عمليًا صقل شخصيته وهيّأه للتمكين.

لذلك، عندما قال للملك لاحقًا: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾، كان يعلم علم اليقين أن لديه المهارة والكفاءة اللازمة لإنقاذ البلاد؛ إذ كان علمه وتمكّنه قد صُقلا بتجربة عملية دامت سنوات داخل أروقة قصر العزيز.

فقصته تجسيد على أرض الواقع لمعنى الحديث الشريف في أن الإنسان قادر على تحويل كل ما يمر به إلى خير. قال ﷺ:

«عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير… إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له».

وقد قيل: في كل محنة منحة، ولكن لمن أحسن الاستفادة منها، ليجعل منها درجات يرتقي بها نحو مستقبل أعظم وحياة أفضل.

وهذا ليس معنى نظريًا أو قصة من الماضي فحسب؛ بل يتكرر أمامنا في حياة أناس عاشوا المحن، ثم اكتشفوا في قلب محنتهم عوامل إيجابية استطاعوا أن يبنوا بها حياة جديدة. ومن النماذج المعاصرة على ذلك قصة ترنت شيلتون، التي يتجلى فيها الاستثمار الإيجابي للمحنة.

فقد تحدى ترنت شيلتون مرض الربو في طفولته، حتى أصبح لاعبًا متميزًا في دوري كرة القدم الأمريكية للمحترفين، وحقق حلمه باللعب لأندية كبرى، وظن أن الشهرة والمجد الرياضي قد أكّدا قيمته.

لكن الحلم انكسر فجأة. تعاقبت عليه الاستبعادات وقطع العقود، ثم جاءت الإصابات، وانتهت مسيرته الرياضية مبكرًا. 

وفي عام 2009، اتخذ قرارًا حاسمًا: أن يستثمر في محنته بدل أن يستسلم لها.

أدرك أولًا أن جروحه تمنحه شرعية الحديث إلى المكسورين؛ فهو لا يقدم نصائح من برج عاجي، بل يتحدث من تجربة نجاح حقيقية عاشها، ثم ذاق بعدها محنة الرفض والفشل والألم. فوجد الناس فيه إنسانًا يشبههم فأستمعوا له، حيث أصبح قادرًا على مخاطبتهم من موقع التجربة لا التنظير.

ثم أعاد تدوير خبرته الرياضية؛ فكما يحتاج الجسد المصاب إلى إعادة تأهيل، تحتاج النفس المنهارة إلى إعادة بناء. نقل إلى التعافي النفسي ما تعلمه في الرياضة من التزام يومي وصبر وخطوات صغيرة، وأطلق منصته RehabTime.

ثم حوّل تجربته إلى رسالة ومشروع حياة. أصبح متحدثًا تحفيزيًا ومؤلفًا يتابعه الملايين، فحوّل آثار تجربته الشخصية المؤلمة إلى تأثير إيجابي كبير امتد إلى جمهور واسع حول العالم.

فالقوة الإيجابية في الإنسان لا تكمن في تجنب المحن؛ فمروره بها حتمي وسنة إلهية من سنن الحياة:

﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾

وإنما تكمن في امتلاك عين ثاقبة ترى ما يمكن إنقاذه من تحت رمادها، فتُحوّل الألم إلى خبرة، والخبرة إلى قوة، والمحنة إلى بداية جديدة.

وقد قيل "المحنة هيا أرض التجارب، وبإيجابية التفكير تصبح بوابة للتميز"



الكاتبة: الدكتورة ظلال عبدالله الجابرى

تعليقات

المشاركات الشائعة