التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مميزة

《من أجل أن يأتى شئ جديد للحياة》

         《من أجل أن يأتي شيء جديد للحياة》 قيل: من أجل أن يأتي شيء جديد، يجب أن يزال شيء قديم. فالعقل الممتلئ بالأفكار يشبه غرفة ممتلئة بالأثاث؛ فإذا امتلأ بالأفكار السلبية، والانشغالات غير المفيدة، والعلاقات والعادات التي تستنزف الإنسان، فلن تبقى مساحة كافية لاستقبال الجديد المفيد. فأحيانًا لا تحتاج الحياة لحدوث التغيير إلى المزيد من الجديد، بقدر ما تحتاج إلى التخلي عن بعض القديم؛ عن أفكار لم تعد صالحة أو مفيدة، أو عادات سلبية تعيق التقدم، أو تعلق بالماضي يمنع الحركة إلى الأمام. فالتخلي ليس دائمًا خسارة، بل قد يكون هو المساحة التي يبدأ فيها التغيير. وقد جاء في المعنى في الحديث الشريف: «إنك لن تدع شيئًا لله إلا بدلك الله به ما هو خير لك منه». فعندما يتخلى الإنسان عن انشغالات أو أفكار أو عادات ليس فيها خير أو صلاح لدنياه وآخرته، فإنه يفرّغ مساحة في حياته؛ من وقت، وطاقة، وتفكير. وهذه المساحة قد تكون هي ما يهيئه لاستقبال فرص وعلاقات وعادات أفضل وأرقى. فليست الفكرة في التخلي العشوائي، ولا في ترك كل ما هو قديم لمجرد أنه قديم، وإنما في معرفة وتحديد ما ليس ف...

《عطاء بلا ندم》




《 عطاء بلا ندم 》


أن يكون الإنسان معطاًء ... لا يعني أن يستهلك العطاء كل ما فيه، فليس مطلوباً يكون كالشمعة تحترق وتفنى لتضيء للأخرين، بل يكون كالنهر يروى دون ان يجف.

ومن القصص الواقعية والمؤثرة من عالم كرة القدم تجسد أهمية الاعتدال في العطاء، هي قصة اللاعب الكاميروني الشهير إيريك دجيمبا-دجيمبا.

ولد دجيمبا-دجيمبا بموهبة استثنائية قادته سريعاً إلى قمة كرة القدم العالمية، حيث تعاقد معه النادي الإنجليزي العريق مانشستر يونايتد في عام 2003 ليكون خليفة الأسطورة روي كين. بدأ اللاعب بجني أموال طائلة لم يكن يحلم بها، وبسبب طيبة قلبه ورغبته الجارفة في إسعاد كل من حوله، تحول عطاؤه إلى كرم مفرط غير مدروس.

كان دجيمبا-دجيمبا يمتلك 30 حساباً بنكياً مختلفاً في وقت واحد. لم يكن يبخل على أحد؛ فكان يشتري سيارات فاخرة لأصدقائه، ويمول مشاريع لأقارب لا يعرفهم جيداً، ويتحمل مصاريف السفر والإقامة لجميع معارفه في كل مناسبة. وبسبب هذا التدفق غير المنضبط للأموال وغياب التوازن بين العطاء والادخار، تراكمت عليه الديون والضرائب بشكل متسارع.

لم تمضِ سوى سنوات قليلة حتى أعلن اللاعب إفلاسه الرسمي في عام 2007 وهو في قمة مسيرته الكروية. اضطر بعدها للتنقل بين أندية مغمورة في مختلف دول العالم فقط ليسدد ديونه ويوفر قوته يومه، بعد أن كان ملء السمع والبصر.

في المقابل، تبرز قصص للاعبين آخرين عرفوا كيف يوازنوا بين العطاء وبين تأمين مستقبلهم. مثل اللاعب السنغالي ساديو ماني، الذي كان يقدم عطاءً سخياً ومستداماً لبناء المستشفيات والمدارس في قريته، لكنه كان يفعل ذلك من خلال مؤسسات منظمة وإدارة مالية دقيقة تضمن عدم انهياره مالياً، مما يمثل النموذج المثالي للاعتدال فى العطاء

وتؤكد هذه القصص أن العطاء خصلة نبيلة، لكن الاعتدال فيه وحماية النفس هما الضمان الوحيد لاستمراره.

ولو كان المطلوب في العطاء أن يفني العاطي نفسه وهو يعطي، لكان ذلك مطلوباً في العبادة، ولكن كما علمنا النبي صلى الله عليه وسلم ليس ذلك هو المطلوب في علاقة الإنسان بربه، بل المطلوب الوسطية.

فقال صلى الله عليه وسلم:

(إن لربك عليك حقاً ولنفسك حقاً ولأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه)

........

فضابط الوسطية أرشد الدين الحنيف أن يكون أساساً للتعامل في كل شيء حتى يعيش

الأفراد في راحة ورضى

فالإنسان له أن يساعد وينفق، ولكن:

(لاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا)

وخير عظيم ان يحافظ الإنسان على قيام الليل، ولكن عنما يتعب:

(إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدر ما يقول فليضجع)

وللضيف واجب الضيافة، ولكن:

(الضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه)

........

فهناك دائماً ضوابط عامة في ديننا الحنيف لكل الأمور، حتى يسير كل شيء بتوازن واتساق مع سعادة وراحة في كل نواحي الحياة، وتبقى حقيقة ان العطاء الكامل بلا حدود لمن أراد ان يعطيه خير عظيم، بضابط ان تكون النية فيه في طلب الثواب كله من الله، عندها سيكون العاطي سعيداً بعطائه، حتى لو أعطى كل شيء، لأنه يعلم ان جزاءه محفوظ وقد وضعه عند من لا يضيع على الإنسان عنده ثواب ذره من عمل الخير.

(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ)


الكاتبة: الدكتورة ظلال عبدالله الجابري


تعليقات

المشاركات الشائعة